هي قصة شخصين أحبا في عصر الهدوء والأمان حلما بالسعادة الأبدية ولكن مع دخول العدو، سُحِقت أحلامهما، فرقهما الزمان ، أبعدهما المكان،حرمتهما الحياة من العيش بهناء وأمان، فحفظ كل منهما الوعد واليمين، لم تستطع بنادق العدو أن تمحو حبهما الصادق بل أظهرت معنى الإخلاص،الصدق،والتضحية هي قصة حب في زمن الحرب...
كان اللقاء في إحدى المكتبات العامة قبل دخول الاحتلال بعشر سنوات، كانت (سعاد) تبلغ من العمر ثمانية عشر ربيعا، رغم صغر سنها إلا أنها قد أبصرت الحب باكرا، كانت شديدة الانتماء للوطن كانت مؤمنة بأن الوطن ثروة لا تقدر بثمن، نعمة عظيمة وهبنا الله إياها، كانت مهتمة بكل ما يخص الأرض التي نشأت عليها، اهتمت بدراسة تاريخها، وبذلك اليوم كانت (سعاد) تبحث عن كتاب يدور حول تاريخ وطنها هناك التقت بفارس أحلامها المنتظر (عمار). الذي كان يبلغ من العمر عشرين عاما، كان يود الالتحاق بالمقاومة أحب أرض الوطن وتعلق بها، كان كثير الارتياد إلى المكتبة العامة ليقرأ كتب التاريخ، وفي ذلك اليوم شاءت الأقدار أن يلتقيا وكما وقعت أيديهما على الكتاب نفسه تلاقت أعينهما وضاعا في بحر صاف كقلبيهما اللذين كانا شاهدين على ولادة حب في زمن صعب.. زمن كثر فيه قتل الأنفس.
إنه الحب في زمن ضائع... وهكذا بدأت قصة الحب بينهما، تعاهدا أن لا يفرقهما شيء سوى الموت، إنهما متفقان في كل الآراء، كل شيء مشترك بينهما حتى الأحلام، عثرا على حب يساوي حبهما للوطن.. واكتملت فرحتهما بزواجهما بعد قصة حب لربما هي اقرب إلى الخيال دامت لمدة أربعة أشهر، أنارت الحياة أمامهما كل الدروب، وقف الحظ والقدر إلى جانبهما، فعاشا بأمان وحب، أحبا الحياة وتعلقا بها، فكل منهما يعيش لأجل الآخر، كانت تحاول بكل الطرق أن تدخل البسمة إلى قلب (عمار) وهو أيضا كان يسعى لإًرضائها، خططا لمستقبل منير مليء بالأحلام ، مرت السنوات وأصبح لديهما خمسة أطفال، لم يكونا مجرد آباء بل إخوة و أصدقاء، أظهرا المعنى الحقيقي للأبوة ليكبر الأطفال ويصبحوا رجال المستقبل.. ولكن وبين ليلة وضحاها، شوارع المدينة نائمة، مطمئنة وهادئة، مطفأة الأنوار، غاصت الشوارع بمياه الأمطار، لا أحد يعرف ما تخبأه لهم الأقدار، تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل حيث سقط أول وابل من الرصاص والصواريخ الإسرائيلية المدمرة، أشعلت الحرائق في كل الطرقات، دمرت البيوت وقتلت ساكنيها، ولم يبق سوى بقايا من أجساد ومنازل، ظهر الصباح لتعود طائرات العدو لتعيد الكرة ذاتها فدمرت ما تبقى، كانت الساعة السادسة والنصف حيث بدأت المقاومة بترتيب صفوفها وتجنيدها، حيث كان (عمار) ما يزال نائما مستغرقا بأحلام وردية تناثرت مع الصباح فقذائف العدو لم تصل إليهم بعد، استيقظ على صوت رنين الهاتف، كلا بل على صوت قنابل العدو القادمة من بعيد، رفع السماعة إنهم من المقاومة يدعونه للالتحاق بهم مرسلين له حافلة تنتظره بالخارج، كانت زوجته (سعاد) تسترق السمع وهي على فراشها، وفي حينها سقطت أول دمعة على وجنتيها، دمعة امتزجت بها آلام السنين، نقشت مكان جريانها اسمه، أدركت في تلك اللحظة أن كل شيء قد انتهى، انتهى زمن السعادة، فأعلنت الحداد، وإن صح القول توقفت الحياة، أغلق (عمار) سماعة الهاتف، وبكل هدوء ورباطة جأش،أخرج ملابسه وارتداها، أعتقد بأنها ما تزال نائمة، كيف تغفو ويغمض لها جفن وقد هرب الوسن من عينيها بعد ما سمعته، كيف تغفو والحب منذ هذه اللحظة أصبح بعيدا عن حياتها، كيف للمحب راحة بعد من يحب، ثم مشى إلى السرير وطبع قبلة على جبينها ووضع بطاقة كان سيقدمها لها لولا الحرب في ذكرى زواجهما، وكذلك وضع معها إحدى روايات شكسبير التي كانت شاهدة على حبهما، تلك الرواية التي كتبا اسميهما عليها يوم التقيا.. ثم تابع سيره، لم يسر إلا خطوات وإذ بصوت أجش مختنق من الخلف يناديه (عمار):
-أهكذا الوداع، التف بلمح البصر إلى الخلف ممسكاً بيديها قائلا: إن الوطن طلبني، أأرفضه،أندع العدو يدمر كل ما بنيناه، أنتركه يقضي على كل فرح في حياتنا ، أهذا هو انتمائنا للوطن، أأصبح حب الوطن كلمات نلقيها على مسامع الناس في لحظات الرخاء، وعندما يحتاجنا الوطن نهرب من واجب مفروض علينا. قالت والدموع تملأ أحداقها:
كلا، للأرض نبذل الرخيص والغالي ولكن لِمَ الآن؟ ولِمَ أنت؟ مازال لدينا أيام نقضيها، مازال لدينا أحلام نبنيها...
صمتت قليلا لتستوعب ما يدور حولها، فلقد كانت صدمة قوية: هل ستعود، هل سوف أراك ثانية، هل سنحيي ذكرى زواجنا، لقد اقتربت، فقال (عمار):
- لا أعلم، ربما أكون من شهداء الحرب وألقاكِ في جنات الخلد، ولربما أعود منتصراً رافعاً علم بلادي في السماء يخفق..
ردت عليه بعد أن استجمعت قواها التي انهارت: - أتمنى أن تعود سالماً غانماً إلي، فأفخر بك كما كنت دائما.
وبعد احتضان في مشهد وداع دام لدقائق قليلة واستمر حزن بعده لسنوات، مشهداً لو أن للصخور قلب لنفطر، تركها كي لا يطيل عذابها قائلا:
- أستودعك الله ، لديك خمسة أشبال علميهم كيف يكونوا اسوداً في وجه الظلم، لا تنسي الوعد، اذكريني إذا حل المساء، اذكريني فالذكرى راحة ووفاء، اذكريني فالذكرى للعاشق شفاء، اذكريني فالنسيان شقاء، اذكريني وهذا رجاء.
وهم بركوب الحافلة: سأحبك حتى تحترق النجوم، سأحبك حتى يخفت ضياء الشمس ويخسف بريق القمر سأحبك وهذا قدري ...
وبسير الحافلة تحطمت كل الأحلام التي سهرت ليالي تحلم بتحقيقها، لم تبقِ لها الحياة سوى صوره وذكراه الخالدة في قلبها وخمسة أطفا ل، وحيدة لا تعلم ما ينتظرها، في مشوار الحياة الطويل.
وبعد أيام حدثت العديد من الاشتباكات مع قوات الاحتلال، أسفرت عن الكثير من الشهداء، كل شيء في ارض السلام تحول إلى دمار، فالسماء تحتلها الغربان وغيوم سوداء من الدخان الأسود، المنازل هُدِمت فوق رؤوس قاطنيها، حتى الشوارع الآمنة لم تعد كما كانت فأصبحت جريحة ليس لها آسي سوى وقف إطلاق الرصاص.
مرت الأشهر و الأعوام كانت (سعاد) في كل ليلة تجلس لإحياء ذكرى زوجها المسافر البعيد لم تكن تعلم ما الذي حل به فهو غائب منذ سنتين ولم يرسل لها ليطمئنها، كانت تخشى أن يصيبه مكروه، كان كلما راودها ذلك الخاطر، فاضت عيناها، وبدأت دموعها تسيل كأنها المطر، كانت في بعض الأحيان تحقد عليه، غاب وتركها ولم يعد حتى لإحياء ذكرى زواجهما، ولكن سرعان ما تجد له عذراً، تواسي نفسها بقولها:
- سيعود ونعيد أيام الحب، سيعود وإن طال البعد. وكما يقال لا ينام الملسوع من ألمه وهي كانت في حالتها لأشد من الملسوع وكيف تجد لذة في النوم وهناء وزوجها بعيد، الكل تخلى عنها حتى أهلها ،والحياة..
واستمرت الأحداث الدامية من جرائم، مذابح، عقوبات، ,إعدام، وفي صباح يوم الأربعاء قذفت قوات الاحتلال العديد من القنابل على قوات الجيش في خيامهم على الحدود حيث هناك عُين (عمار) وشاء القدر بأن ينجو من موت محتم لتحط به الحياة في دوامة أشد ألماً من الموت. اعتقدوا بأنه قد قُتِلَ فلم يحركوا أي ساكن.
سمعت (سعاد) ما ذُكِرَ في المذياع خافت خوفا شديداً ولم تدرِ ما الذي يتوجب عليها فعله، ففوضت أمرها لله وبعد أيام قلال طرق باب منزلها، اعتقدت بأنه الفرح قد طرق بابها، ولكم تمنت بأن يكون ذلك البطل المسافر (عمار)، ولكن آه للقدر وألف آه على قلب ذاب حرقة، انه قائد الجند ألقى التحية العسكرية وقال::
إن زوجك أول شهيد في هذه الحرب رحمه الله ضحى بنفسه ليحمي أرضه.-
اعتقدوا بأنه قد قُتِلَ ولكنه كان قد وقع في الأسر بعد غارة شنتها القوات الصهيونية على مواقعهم.. لم يتحرك لأحد مشاعر تجاه هؤلاء الأسرى والمحتجزين.. اكتفوا بالكلام وكأن الكلام يشبع حاجات الإنسان لو أن للغرب وقع أحدهم في الأسر لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها لقلبوها رأسا على عقب...
احتمل(عمار) عذاب الأسر، عذاب الألم، عذاب البعد والشوق، فأصبح أسير العذاب، رهين الأسر، قام الضابط اليهودي في الأسر بإنزال أقصى العقوبات دون أية رحمة، عقوبات لا يحتملها ولا يطيقها أي انسان، ومن يعل هذا التصرف مع أناس كرمهم الله بأنهم سكان المسجد الأقصى، من يقوم بهذا العقاب سوى انسان بدون مشاعر نزعت منه الرحمة الربانية.. أصبح الحال سيئاً جداً فقد اُحتجز هؤلاء الأسرى في المخازن والسجون الضيقة وتلك الأماكن التي لاتصلح لإيواء الجنس البشري، أطلقوا على هؤلاء المجاهدين صفة الإرهابيين، وليكملوا آلامهم تركوهم بلا طعام، بلا ملابس، بلا دواء، جمعوا الأسرى وقاموا بإعدام أعدادٍ هائلةٍ منهم بحجة إرهاب الشعب، وفي هذه الأثناء كانت (سعاد) قد استسلمت للحياة، تساوت لديها الأمور، فلن يحزنها شيء آخر أكثر من وفاة زوجها، خضعت للقدر الذي كُِتبَ لها، فعلقت بقايا أحلامها على أطفالها، فربتهم ليكبروا وتفرح بهم، ولن آه من ثعبان لا يترك أحد دون أن يلدغه، وإن وجد من لم يلدغه أعاد الكرة على ضحاياه. ولكن كيف يوجد الفرح وفي كل يوم يقتل لنا أطفالٌ أبرياء.
وبعد مرور عشر سنوات وفي إحدى ثورات الحجارة في منطقة غزة شهدت ساحة القتال جريمة بشعة، إكتملت بها أحزانها، جريمة وحشية قامت بها قوات الإحتلال، بإعدام ابنها البكر بحجة أنه ينتمي الى إحدى المنظمات الإرهابية، علقوا حبل المشنقة في عنقه أمام الجميع، أمام ناظري أمه، ولم يكتفوا بذلك بل مثلوا بجثته وتركوه معلقاً في الساحة غادر الجميع بعد أن فاضت الدموع، دقيقة صمت على روح الشهيد، ولكن لايشعر بالحزن سوى من عاش به، فكيف تحتمل (سعاد) مقتل بكرها أمام عينيها، ولا تستطيع أن تنقذه، ذهبت إليه وفكت قيوده بيديها الى أن سالت دماءها، عانقته فاختلطت دمائه الطاهرة بجسدها الهزيل، عانقت روحها روحه، بكت إلى أن جفت دموعها، صرخت ،و تأوهت فأبكت الجميع هزت مشاعرهم، فأيقظت قلوبهم النائمة، صرخت صرخة أم تتألم، صرخة زوجة وحيدة تعاني، مستنجدة.. وبقيت في المنزل تتلوى من العذاب ولكي تكتمل مصائبها هاهم أهلها يجبرونها على العودة إلى منزلهم فكيف تترك بيتها، كيف تخون الوعد ولكن أهلها كانوا حريصين على سمعتهم، قاومت ولكن دون جدوى، وصل الخبر الى أهل زوجها وهم أيضاً كانوا سبباً من أسباب شقاءها وحزنها، أخذوا الأطفال وتركوها تذوب كما الشموع، تذبل كما الورود، بعد أن كانت شابة، ضاع شبابها، انخفت بريق عيناها اختفى النور من وجهها .. آه أين أنت يا (عمار) أين أنت لترى ما حل بمن كانت اجمل من بلقيس نزار، وجولييت روميو .. أين أنت.
وعمت المظاهرات والاحتجاجات في كافة أنحاء البلاد مطالبين باستقلال البلاد، مطالبين بالحرية ووقف إطلاق الرصاص، ولكن صوتهم كان خافتاً، ضعيفاً فلم يطرق مسامع أحد، فاحتملوا العذاب وحدهم لم تكن قضية احتلال بل كانت قضية شعب نُهِبت أرضه، وهُضِمت حقوقه، عمت الثورات في كل أنحاء منارة الإسلام وأخيراً استيقظ ضمير العرب، وهبوا لمناصرة إخوانهم فشاركوهم أتراحهم وأفراحهم، آلامهم وآمالهم، مع كل ما يمتلكه الغرب من أسلحةٍ إلا أن حجارة صغيرة وقفت في وجوههم، وقهقرت صفوفهم، فألحقت بهم خسائر فادحة.. أخيرا توحدت أمة الإسلام لأجل طفل جريح لا يجد من يؤويه ويفتح له أبواب الحنان...
وقف الشعب صفاً واحداً، وكانوا أسرةً واحدةً، ومع هذا لم يتمكنوا من إخراج اليهود فاستمرت عمليات الأسر والتعذيب واحتملوا أصعب عقوبة وهي الفراق وهم على أرضهم، ذل واضطهاد، تشريد وقتل، إهانة وغيرها من تلك الأساليب القاسية، لايملكون في قلوبهم أي رحمة، لقد نزعها الله منهم وأبدلها بقلوب أشد صلابة من الحجارة
احتمل (عمار) العذاب لأجل الحب، و(سعاد) صابرة رغم الأحزان، رغم كل الجراح التي تركتها الحياة
في ليلة الرابع عشر من فبراير، إنه يوم الحب، يوم للاحتفال بالحب ولكن بلا حب، ذهبت إلى منزلها لإحياء ذكرى هذا اليوم، لربما لو كانت تعلم ما سوف يحدث لما ذهبت ولكن الأقدار قد شاءت أن تفقد في ذلك اليوم كل أبناءها عدا أصغرهم، كانت تضمه إلى صدرها من خمسة رجال للمستقبل لم يبق لها سوى رجل صغير واحد، لا يقوى بعد على مواجهة الحياة، و(مجدولين) تلك الشابة التي كانت تخشى عليها (سعاد) أن تكوى بنيران أحرقتها... أظلمت الحياة في وجهها، أُطفأت الأنوار كلها، على من سوف تحزن، على زوجها القتيل، أم على أطفالها الشهداء، لم يعد لديها دموع لتسقط على من قتلوا، بل هل للحزن مكان أكبر في قلبها وبعد ما شهدته من مآسي عاهدت الله بأن تربيه وتنشئه على الإيمان وحب الوطن وكيف يكون رجلاً صانعاً للمستقبل كزوجها الشهيد، عادت إلى منزلها تجر أذيال الخذلان، وخيبات الأمل ورائها...
ومرت السنوات محرقة قاسية. و بعد فترة تمكن أحد الأسرى من الهروب يحمل معه أمانة من (عمار)، هرب ولم يخش الموت لم يطق السجن وعذابه كعصفور كسير الجناح بعد أن كان حراً طليقاً، اكتشف الجنود أمر هروب الأسير فقاموا بتعذيب كل الأسرى لكي يعترفوا ولكن يا ويلة الخائن لوطنه ولأصحابه، لا أحد يعترف لقد كانوا أبطالاً شجعان ورغم صمودهم إلا أن الضباط اكتشفوا أمر علاقته ب(عمار) لقد كان صديقه الوحيد فعذبوه هددوه بالسلاح ولم ينفع معه وحينها دخل أحد الضباط شاهراً مسدسه بوجهه قائلا:
إن لم تعترف سأحول حياتك جحيم لا يطاق و إن اعترفت فسوف تغير مجرى حياتك وتنعم بعز وجاه لم تكن تحلم به...
) فقال (عمار
- لايهمني عز في الدنيا، لا أطمح لأن أكون ملكا، نموت لتحيا الأجيال فينا، نموت لنسقي أرضنا بدمائنا، لنجعل من أجسادنا جسراً إلى مستقبلٍ أفضل مما نحيا به، أنا أبن هذا الوطن نشأت على ترابه وماءه، صمت قليلا ليجمع قواه ورد بكل عنفوان وكبرياء: والله لأن قتلتموني ومزقتموني فلن تعرفوا أي شيء مني.
فلطم الضابط الإسرائيلي الفلسطيني الأصل وجه (عمار) صارخاً بجنوده
-عذبوه لا ترحموه مزقوه وخرج مسرعاً.
وإذ ب(عمار) يجد نفسه بين أقدامهم وكأنه حشرة يريدون سحقها، ولكنه احتمل العذاب كله محتسباً أجره عند الله.
وبعد عدة أيام تمكن الأسير الهارب من الوصول إلى المكان الذي أرشده له (عمار) ولكن سرعان ما دبت الحيرة به أي منزل هو، وكل المنازل تفوح بطعم الجراح، كل المنازل مصبوغة بلون الدم الأحمر، طرق باب أحد البيوت، لم يكن يعلم بأنه منزل (عمار) فاتبع حدسه.. دقائق قليلة انتظر على باب المنزل.. وبينما (سعاد) في الداخل تعاني في براثن الشوق والحب والتعب، أملت بأن يكون هو، ثم عادت لتقول في نفسها: أمجنونة أنا أمازال لدي أمل.. أطلت من الباب كعجوز رمى الزمان كل أحماله عليها.. هي تنتحب غارقةً في بحر أحزانها العميق، جاء فرج الله، حانت لحظات الفرح، موعد مع السعادة تنتظره منذ أعوام،
قال الرجل: أأنت (سعاد)، زوجة عمار؟..
أحست بداخلها بشعور غريب لم يسبق لها أن أحسته : بلى أنا هي، ماذا هناك؟.. فأجابها: إن زوجك يقرئك السلام.
وبلهفة عاشق ولهان، بلهفة أم على أطفالها، بشوق من فارق أحبابه وعاد ليتجدد لقاءه وقد ارتسمت البسمة على شفتيها:
-أين هو، أهو حي يرزق، لِمَ لم يأتِ أخبرني هل أصابه مكروه، وصمتت حائرةً لتسمع أجوبةً لأسئلتها الحائرة..
فقال الأسير الحر:
- إنه يبلغك أنه قد وقع في الأسر، وقد أرسل إليك هذه الأمانة خذيها، لم تستطع (سعاد) أن تكتم فرحها ودت لو تصرخ، لو تزغرد، فقد ابتسمت لها الدنيا من جديد، أحبت الحياة بعد أن تمنت الموت، عانقت كل حرف بتلك الرسالة، الآن تأكدت بأن حبهما ما زال يحيا بأمان، رغم الاحتلال والأحزان.. وضمت الرسالة إلى صدرها وأسرعت بقراءتها، فتحتها فوجدت بها كل الشوق والحنين، كان قد كتب كل حرف منها بإحساس صادق مرهف كما عهدته منذ أول لقاء لهما.. فقال بها:
-(إليك يا من لها أحيا، إليك يا من سهرت ليالي لأجل عينيها، يا مصنع الرجال الأبطال، وبعد السلام، أُسِرتُ رغماً عني، طُعِنتُ من الظهر، لم أكن ضعيفاً فأنت تعلمين بأني كنت قوياً لا أخشى الموت، تعرفين بأني كنت أحلم بأن أبذل روحي لأحمي تراب الوطن، كي أكون ترساً أقي الشعب من هلاك.....
حبيبتي أنت تعلمين أنه رغم بعد المكان، رغم الهجر طوال هذا الزمان، بأنك كنت تسكنين في قلبي، فلنحيا لأجل الحب، لأجل أن ندافع عن الوطن، لننير المستقبل، لنحقق أمانينا.. مهما طال الغروب لابد أن تمد الشمس خيوطها المشعة وتضيء الكون وأنا كذلك مهما غبت وابتعدت فسوف أعود يوماً ما، سأعود من المدى البعيد، سأعود من حيث هاجرت الطيور.. أخبري النجوم والقمر، كل البشر، الشوارع وحتى حبات المطر، بوحي للشجر.. أنشري الخبر، بأني سأعود ونعيد أيام السهر.. انتظريني مع كل غروب شمس وشروقها، انتظريني حين تمد الشمس خيوطها.. انتظريني كلما انحنت الشمس ليسكن القمر.. انتظريني مع كل مساء.. مع كل نبضة من قلبك، مدني أنت، باريس انت لا تهدئين، كقسطنطينية تحبين، كبغداد مجروحة، كالقدس محزونة تتألمين.. كدمشق كل ليلة تغفين..) ....
) زوجك المخلص عمار)....
وأخيراً وبعد سنوات انتظار، أعوام من الشقاء، تجدد الأمل بها، حان دورها لتضحي من أجله، كما ضحى هو، أخذت تلك الرسالة وذهبت الى مركز الأمن، لتخبرهم بما حدث، اعتقدوا بأنه قد أُستشهد، لم يكلفوا نفسهم عناء التحقيق في قضية هؤلاء الأسرى ، ولكن الآن لديها ما يثبت صحة كلامها وفي مركز الأمن انهالوا عليها بالأسئلة ، اتفقوا على رأي واحد ولكن سرعان ما دبت الانقسامات، فمنهم من رفض إقامة التحقيقات وبعضهم أصروا على التحريات، وهي تقف أمامهم وعلى وجهها علامات الاندهاش، تسأل نفسها: أين كانوا طوال هذه المدة...
وعدوها بأن ينقذوه وكل الأسرى الذين معه محتجزين، أما الأسير الطليق فقد عثرت عليه قوات الأمن مقتولاً في إحدى الصحاري متأثراً بجراحه التي غطت كل جسده، كان يرفض أن يعيش ذليلاً لليهود، أسيراً يحتمل العذاب والعالم بالخارج يلهون ويمرحون ولا أحد يشعر بهم . وجدوا إلى جانبه علم فلسطين ورسالة كتب بها:
(وطني دمي فداك، في قلبي هواك، أُسِرتُ في سجن ضيق هناك، مت لأجلك، لأجل عُلاك، رحت شهيداً لأنال رضاك. كيف ينام العرب وأنت ساهرة عيناك؟ متى ينهضون ويهبون لاسترجاعك لتنشر هداك، كيف ينامون وأنت ساهرة عيناك؟ كيف يضحكون ولا يبكون وأنت قتيل في ساحات العراك، كيف؟!)...
طالبت قوات الأمن الفلسطينية بتحرير كل الأسرى ولكنهم فشلوا في مطلبهم كعادتهم، فقد وضع اليهود شروطاً تعجيزية، وبعد إعلانهم فشلهم عن تأمين ما طلبه اليهود حان الوقت الذي به سوف تبرهن (سعاد) للعالم بأسره، من شرقه إلى غربه، أن الحب يصنع المعجزات، أن المرأة ليست ضلعاً قاصراً بل هي قوية، مضحية، شجاعة، تخاطر وتصارع الموت لأجل أن تقوم بإنقاذ من تحب، فعاطفتها تدفعها لفعل المستحيل.
قررت (سعاد) أن تنقذ الإنسان الذي أحبته، الذي وهبته حياتها،، وجعلتها ملك يديه، رهن قلبه، أخبرت أهلها بما قررته فوقفوا معارضين حرصاً عليها من مصير نهايته الموت أو عار يمتد ولا يمحى، كانت (سعاد) تعلم مسبقاً ردة فعلهم ولكن مازال لديها القليل من الأمل، الذي لربما به يقتنعون أن الحياة ليست مصالح وأموال بل حب ووفاء، يقتنعون بأن الحب لن ينتهي مع الحرب.
وعندما أبلغتهم بما يجول في كنفها قالت والدتها:
- أمجنونة أنت، أي حلم هذا الذي تعيشين، أي حب عنه تتحدثين، حب أحمق في طياته تسكنين، أم حب ضائع عنه تبحثين.. سوف تجلبين لنا العار وتهلكين.. ومتى كان للحب أهمية، وأي حب هذا الذي سيحيى مع الاحتلال، قتل البشر وتعتقدين بأن الحب مازال موجود..
ردت سعاد:
-أليس العار أن نترك أهلنا يُعذبون ونحن هنا لا نسأل، أليس حراماً أن ندعهم يقاسون، ونحن هنا صامتين ولا نُسمِعُ أصواتنا للعالم بأن رجالنا أسرى، سوف أذهب وان كان عار لديكم بأن تخرج المرأة لتشارك الرجل في كل مهامه، لتسانده وتمده بالدعم المعنوي الذي لا تعرفون في هذا الزمان قيمته، مازال لدي شفقة، رحمة وحنان، رغم الحرب والأحزان، ألم يحن الوقت كي ننهض من سباتنا الذي طال أمده، ألم يأن الأوان كي نبصر النور، ألم يحن الوقت كي نبرهن للعالم بأننا موجودون على خارطة فلسطين الجريحة، لقد حان الوقت لندافع من أجل الحب، لِنُعلِمَ الناس حب الوطن، سأذهب والله لأن منعتموني سأقتل نفسي، أرجوكم كفاكم تعذيباً.. وخيَّم صمتٌ قاتلٌ على المنزل، وحينها وأخيرا توقدت العاطفة بقلب والدها:
-ابنتي الوطن هو الأم، الحب هو نصف الحياة، والتضحية هو نصفها الأخر، أخلصي النية لله وحده، وأذهبي فوالله ليس هناك شيئاً يضاهي الحب في الحياة،
قالت سعاد
-أبي تعاهدت و(عمار) أن لا يفرقنا شيءٌ في الحياة سوى الموت، وأنا لا يطيب لي عيش بعد أن افترقنا، أبعدتنا الحرب ولكننا أقوى منها... وأنقطع الحديث بعد أن أطربت آذانهم أنغام أغنية وطنية يتخللها أصوات قنابل العدو، ضربات أقدامهم تدق الأرض وتسحق كل ما عليها، بكاء الأطفال، نحيب النساء، شعارات وطنية..
قررت (سعاد) الخروج في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كم كان صعباً مشهد وداعها لأبنها الصغير و أبنتها ذات العشرين ربيعاً، اللذين كانا كل الحياة، هما كل ما تبقى لها من هذه الحرب اللعينة، هما الحب الباقي، هما الأمل المقتول.. أخذت تمسح على شعر أبنها وتقول: إلى الحرية فلنمضي، للوطن فلنعطي، للحصول على الكرامة فلنسعى، لقد كان والدكما شجاعاً، وهاهو قد وقع في الأسر، وأحتمل الكثير لأجلنا، يجب أن نساعده ونطلق سراحه، لنعيد أسطورة الدفاع عن الوطن...
أي حرب هذه، حرب سلبت من الأطفال ابتسامتهم وبراءتهم:
-أمي ما الحرب سوى الموت فلنمت أعزاء شهداء، كنت أتمنى لو أني رأيت والدي، كنت دائماً أنتظره فيملني الانتظار، فأعود إلى وسادتي التي كنت عليها ابكي، وأشكي.. ولكم بكيت تلك الأقدار التي أبعدتنا، وكلما تذكرت صورة الشهيد أخي رأيت أبي.. لكم تذكرت الشهيد الذي أدمع العرب والأجانب محمد الدرة، أمصير أبي كذلك، أهي نهايته، كلا هي نهاية الكون أجمع.. كنت أحتضن صورته كل ليلة، كلما نظرت إلى القمر كنت أراه يسكن بداخله، فأحلم بالتحليق كي أصله وأقبله وأعانقه، لطالما رسمته شمسا للحق، سيفا مسلطاً على الظالمين.. لِم كل الأطفال لديهم آباء وأبي غائب، لطالما حدثت زملائي عن بطل شجاع أسير غائب،اسمه أبي.....
طفل صغير هز مشاعرها، فأبكاها، طفل صغير منعته الجرب من أن يفكر بكل ما يشغل عقول الصغار من الحصول على الدمى و الملابس، والنقود، فاق تفكيره كل الحدود، يا ويلاه أصبح عصفوراً سجيناً في الأسر...
-هذه الحرب التي شردتنا وفرقت شملنا،ولكني أعدك بأني سأعود أنا و والدك ونجدد الحب الذي تلاشى ونكون أول عاشقين في زمن الحرب.
وحانت اللحظة الفاصلة، تلثمت وخرجت متخفية من أعين العدو، لقد كانت خائفة بعض الشيء، ولكن السعادة كانت تملأ فؤادها، فلديها أمل بأن تلقى من تهوى. وصلت إلى المكان الذي سجن به، قصرٌ واسعٌ وجميل، في أعلاه علية صغيرة لاتصلح لإيواء البشر، سُجِنَ بها، ومع وصولها بدأ نبض قلبها يتسارع ويرتفع، إنقطع نفسها، كانت تخشى بأن يُكتشف أمرها ، وتذهب كل أحلامها هباء، فمع معرفة قدومها ينتهي كل شيء، حسبت خطواتها، كتمت أنفاسها، كانت تمشي بكل حذر، وكأنها تؤدي دوراً في فيلم بوليسي، تسللت وعبرت حدائق القصر وهناك حدث ما لم يكن بالحسبان، القصر مليء بأجهزة الإنذار المخفية، وبينما هي سائرة في الظلام، اصطدمت بأحد التماثيل فأصدر صوتاً وحينها اندلعت أصوات أجهزة الإنذار وبلحظة تجمع حولها خمسة حراس ضخام أقوياء تسَّمرت قدميها، كادت تسقط أرضاً فقدت الإحساس من جسدها، أدركت بأنها لا محال قتيلة، ولم يأتِ إلى مخيلتها في تلك اللحظة سوى صورة وحيديها اللذين تركتهما ولن تستطيع العودة إليهما، ندمت لاتخاذها قرار إنقاذ زوجها، ظنت أنها قد تسّرعت، وكان يجب أن تفكر أكثر، قيّدها الحراس وأخذوها إلى غرفةٍ واسعةٍ مليئةٍ بالنوافذ والأبواب، إنها غرفة قائد الجند اليهودي، أخذت تنظر من حولها علها تجد مخرجاً لتنجو بنفسها، ولكن الأبواب لم تسعفها، والنوافذ المرتفعة أرهبتها،فجلست أرضاً تندب حظها العاثر...
وبعد دقائق دخل القائد الخائن قائلاً :
- ماذا لدينا هنا ؟ امرأة جميلة تخاطر بحياتها وتأتي إلى حتفها بإرادتها ؟أخبرينا لماذا فعلت ذلك؟ألا تعلمين بأنه لدينا رجال لا يجيدون التعامل مع الجنس اللطيف؟..
وهنا تمنت لو أن الله ينزل عليها الرحمة فتموت قبل أن يؤذوها:...
ولكنها ما لبثت أن أجابته:هل أنت حقاً أبن هذه الأرض؟ لأن فلسطين لا تعتز بأن تكون على أرضها، أين عروبتك؟...أليس لديك شرف أو كرامة، أتفتقر إلى الرحمة و النخوة أهذا ما تفعله بابنة هذه الأرض الطيبة التي نشأت عليها؟
أبعدت يديه التي كانت تطوقها ، فاستشاط القائد غضباً فهو الذي اعتاد ألا تعصى أوامره...
أيها الحراس عذبوها، اِجتثوا أظفارها، كسِّروا عظامها، فلترى حنانكم وتعاملكم مع الجنس اللطيف...
وصل الخبر إلى (عمار) الذي فرح بقدومها فزوجته مازالت مخلصةً له، تحفظ اليمين الذي قطعته على نفسها يوم الفراق،ولكنه لم يكن مدركاً لحجم المعاناة التي تتلقاها الآن،فالحراس قاموا بحقنها بفيروسٍ قاتل ،وما أن وصله الخبر حتى اسودت الدنيا أمام ناظريه ،وفارقت الحياة جسده النحيل...
تمكن الطغاة من معرفة أن زوجها (عمار) موجود لديهم وأنها جاءت لتحريره،وليزيدوا عذابهما فقد وضعوها في زنزانة مقابلة لزنزانته..
نظر إليها فمن أول نظرة أحبها ومن أول نظرة تمنى لها الموت كي تتخلص من عذابها،وأمام ناظريه أخذت تذبل كما أزهار الربيع ، فأخذ بريقها يخفت و رونقها يخبو فهو لا يملك شيئاً يرد لها شبابها سوى كلمات يشجعها بها تقتات عليهن ...
وبعد رحلة عذاب دامت لخمسة أيام دخل القائد محاطاً بالجنود إليه وهو ممسكاً برأس (سعاد) دافعاً به بقوة إلى القضبان و كأنه يريد تحطيمه ثم أردف قائلا:ً
أرأيت بأن الحب لن ينفعكم شيئاً هنا ؟
فأجاب (عمار)
بل الحب أقوى منك و مِنَ الذي فعلته وسأبقى أحبها رغماً عنك وعن هذا الزمن الغدار.
حسنا بلى ثرثرة، والآن أنت وحدك القادر على تخليصها من عذابها وعلى تغيير حياتكما كلياً فما رأيك؟...
أنا و لكن كيف ذلك وأنا أسيرٌ في هذا القفص الضيق؟.
فرد الضابط وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرةً: سنخرجك من هنا أنت و زوجتك وتذهبا بأمان الله...
دهش (عمار) من كلامه اعتقد بأن الضابط قد فقد رشده.
ومن أين هذه الرحمة والشفقة، أم أنه لم يبق لديكم متسع للأسرى..
كلا بل مقابل أن تتحالف معنا، كل ما نطلبه منك هو أن تنضم إلى المقاومة، تتجسس على الخطط التي يرسمونها للإيقاع بنا، وتعود لتأخذ زوجتك.
حسناً دعني أفكر قليلاً، فكما تعلم القرار صعب، فليس من عادتنا خيانة الوطن الأم....
ليس هناك وقت للتفكير فزوجتك تفقد في كل لحظة جزءاً من حياتها وتتساقط كأوراق الخريف..
وخرج الضابط ليتركه في حيرةٍ من أمره، تركه ليختار بين أمريين، بين الخروج والعودة إلى ربوع أرضه وأسرته، وبين خيانة أرضه. ولكن لا يهون عليه خيانة وطنه، ولكن زوجته وحبيبته أيدعها تموت أمام ناظريه ولا يضحي لأجلها كما ضحت لأجله..
وهنا قاطع تفكيره صوت يملأه الألم:
لا يا (عمار)، فقد قتلوا أبنائنا، ولم يبق لنا سوى (جهاد) و (مجدولين))...
-كيف، ومتى، اللعنة على هذه الحياة لماذا نعيش، لكي نتعذب أكثر، لكي نشهد مآسي أكبر..
وفاضت عيناه بالدموع... وفي اليوم التالي جاء القائد :
ماذا قررت؟ أتخرج وتنجو بنفسك، أم تموت أنت وزوجتك هنا.
أخرج وأنقذ زوجتي.. ولكن دعني أودع زوجتي أولاً.
ويقف أمام زوجته غير قادر على الكلام، فالحروف أخذت تتناثر حوله حائرة، عجز لسانه عن النطق بها. ولكن (سعاد) لم تستطع البقاء صامتة أمام قرار زوجها بخيانة الوطن، فاستجمعت قواها، لتنطق بكلمات مؤثرة:
دعني أحيا حياة لطالما حلمت بها، دعني أكون شهيدةً كما الذين سبقونا أعلم أن ضميرك سيؤنبك ولن تفعل ما عزمت عليه، والله لأن فعلت ذلك ستكون نذلاً بغيض..
و أخذت الحياة تغرب أمام عينيها من جديد فكل شيء بدأ يتخلى حتى الشخص الذي أحبته و ضحت من أجله باع نفسه و أرضه من أجل حرية مزيفة رسموها له بأيد مزورين محترفين فلم تعد تملك سوى البكاء على ذلك الماضي الجميل..
خرج والقائد يردد:
حسناً، جيد، لقد فعلت الصواب، اِعلم بأنك مراقب أي لن تستطيع خداعنا أو القيام بأية خيانة لنا، فحياة زوجتك ملك بين أيدينا إلى أن تعود إلى هنا..
ومن بعيد امتد صوت متقطع يتمتم:
أتخون فلسطين الغالية، أتنسى حب الوطن الذي اجتمعنا عليه وتفرقنا لأجله.. أيا ليت الأرض انشقت وأبتلعتني قبل أن أراك خائن لوطننا الحبيب..
وقف (عمار) قليلا يصارع الحزن، محني رأسه لقد خرج لأجلها.. ولكن الوطن سيخون..
تابع (عمار) وهو يسأل الضابط
-هل سوف توفون بوعدكم لي؟.
فابتسم ابتسامة ماكرةٍ، مصطنعة، و أخذ (عمار) ليشرح له ما عليه القيام به...
و أخذ (عمار) يشق طريقه فيما عزم عليه ليخون المقاومة التي حملت أرواحها و دمائها على كفها لتقدمها في طبق من ذهب لتحيا أرض فلسطين حياةً حرةً أمنة ، تلك المقاومة التي بذلت الغالي و الرخيص لينتعش الوطن من جديد، المقاومة التي نطقت و دافعت عن الحق بكل أشكاله...
و قبل الوصول بدأ ضمير (عمار) بالاستيقاظ من سباته فكيف سيذكره الناس ، هل سيذكرونه بخيانته للوطن ومناصرته لليهود الذين قتلوا و أباحوا سفك الدماء..
فقرر إخبار المقاومة بكل ما جرى معه و أصدقائه منذ اللحظة الأولى التي أُسِروا بها إلى هذا اليوم فهو لم يخرج لينقذ زوجته فحسب فالحب علمه ألا يكون أنانياً، ولكنه قرر إنقاذهم جميعاً...
طلب أن يقابل قائد المقاومة، وبالفعل مازال في الوطن شرفاء.. صمت قليلا ليخبره بذلك الأمر المرير، لم يعرف من أين سيبدأ، أيبدأ من ذلك الألم الذي عانوه وينتهي بالقتل.. من أين والأحداث كل يوم تتوالى..
فأخبر قائد المقاومة بكل ذلك الذل و الهوان الذي لاقوه في الأسر طوال هذه السنوات الطويلة دون أن يحرك أحداً أي ساكن من أجلهم ، وهنا وقف قائد المقاومة غاضباً أين كنا طوال هذه المدة ،أنيام نحن؟. رجالنا الأبطال أصبحوا أذلاء هذا مالا يرضاه أي مخلوق ، الرجال أصبح مكانهم السجون ، والنساء وحيدات وأرامل.. ...
و الله الذي عبدناه لن يغمض لنا جفن حتى نحرر إخواننا الأسرى، أعاهدك أمام الله و أمام هؤلاء الرجال الشرفاء بأننا سنخلص البلاد من كل شر يحيط بها و نعيد أرضنا كما كانت أرضاً للسلام و الزيتون و الليمون...
و بدأت المقاومة بتنظيم صفوفها و شنوا هجوماً على مكامن العدو و جحورهم التي أخلدوا فيها فكلفوهم الخسائر الباهظة في الأرواح و العتاد وتمكنوا من الاستيلاء على القصر وتحرير الأسرى المحتجزين و أخذ من تبقى من الأعداء كأسرى لديهم لتحرير من تبقى لديهم...
ولكن (عمار) لم يعثر على زوجته ولا على الضابط الخائن ، وبعد بحث طويل وجد الضابط محتجزاً (سعاد) لديه موجهاً مسدسه إلى رأسها و هو يردد: لن نُهزم حتى لو تمكنتم من الإيقاع بنا، فنحن الأقوى. للأسف فقد آن أوان إسدال الستار على قصة حبكما الخيالية
.. -أرجوك لا تفعل ،لا تقتلها فهي كل حياتي، هي أملي و رجائي فدعنا نعيش بسلام أو خذني عوضاً عنها، ولكن لاتؤذيها.....
ولكن حقد الضابط و كرهه لهما كانا أقوى من كلمات (عمار) ورجائه فأطلق الرصاص عليها، وما لبث أن سمع صوتاً من خلفه
ألقي سلاحك أرضاً وإلا قتلتك...
فارتعدت فرائصه خوفاً وألقى سلاحه وهو يتمتم
أرجوك سامحني فأنا أبن هذه الأرض وقد أخطأت و أعدك ألا أكرر خطئي مرة أخرى، دعني أكفر عن ذنوبي.. ...
ونزل يقبل قدميه طالباً الرحمة بكل مكر وأراد أن يغدر به ولكن قائد المقاومة اكتشف ما يرمي إليه فأطاح به يتلوى في دمائه النجسة...
و في هذه الأثناء كانت (سعاد) تعاني آلام الاحتضار و زوجها يحتضنها و هو يشاهدها تذوي بين ذراعيه دون أن يستطيع إنقاذها ولا يملك لها شيئاً سوى دموعاً أخذت تتساقط على وجهها كأمطار تشرين لتعانق دمائها الطاهرة و بكل أسى يقول لها
لا تذهبي، أبقي لأجلي، إني أحبك،أتخونين الوعد بهذه السهولة..
إني أحبك رغم كل الأحزان، أعدك بأن نعيش في حدود السماء، ثقي بي سوف أمنحك كل الحب و الحنان... فأبقي لأجلي ولا تسدلي الجفنان..فبعدك لن تغمض لي عينان ... أرجوك أبقي....
فأجابته وصوت الألم النابع مع همساتها يغرز في قلبه جرحاً لايندمل
إنه القدر، أتعترض على حكمه، إنها الحياة التي لاتقف على حالةٍ واحدة ...
و صمتت ، و أخذت خصلات من شعرها الأشقر تتهادى وهي مخضبة بدمائها على ذراعي (عمار)، اشتد الألم بها إلى درجة الصراخ والبكاء، فتساقطت على إثر الألم دمعات..أحرقت قلب (عمار) فقال بصوت يكابر الحزن:...
-مازال لدينا أيام نقضيها، مازال لدينا أجيال يجب أن نربيها، لمن تدعيها ، للحياة كي تدميها ، أم للوطن نهديها
في المساء عندما تسطع النجوم أراك إلى جانبي، أصلي لله كي أراك في أحلامي..
لقد حلمت بك و أنت تناديني عودي إلي ، إبقي إلى جانبي فمعك تحلو الحياة، إن العمر باسمك و الروح ملكك
الوداع، أذكرني إذا ذُكِرَ الشهداء، أذكرني عندما يرحل الشتاء، أذكرني في ساحة كل معركة حين ينتصر الأقوياء، أذكرني فأنا قوية رغم هذا الجفاء، أذكرني و أذكر للأبناء عن تراب الوطن المروي بالدماء...
وأمالت يدها لتضم يده وتقبض روحها.
يبدو أن الحياة انقلبت و خدعتهما فبعد أشهر من سعادة اعتقدا أنها أبدية ، صبت الحياة كل سمومها و آلامها في طريقهما ، كتبت لهما الحياة أن يعيش كلاهما في ذكرى و أحزان لا تنتهي ، افترقا و صبرا ، احتملا الأحزان ، وعاد ليتجدد لقائهما ومن سخرية القدر فقد كتب عليهما الآن فراق لا لقاء بعده...
صرخ (عمار) وضمها إلى صدره و أخذ يبكي كطفل صغير جائع قد فقد أمه
لا.لا.لا...اللعنة على هذه الحياة
صرخة أبكت الجدران وهزت الأبواب، سمع العالم كله تلك الصرخة، صرخة عاشق ولهان ،محب وفي،و زوج مخلص...
حمل جثتها وأنطلق بها ليدفنها، بقي بقرب لحدها يبكي عليها بكاءً مراً...
وبعد أسبوع وجدت جثته أمام آلة البيانو وبجانبها رسالة كتب بها( لأجلك أحيا وإن رحلت لأجلك أموت.. لكي فقط أكتب لك فقط أحب لك فقط ومعك فقط لي حياة وما نفع حياتي بعدك) .. كان آخر ما فعله بأن عزف لروحها الطاهرة التي تعانق الجنان سمفونية لحن الانكسار. فارقت روحه جسده حزناً عليها ،ليكتبا بذلك نهاية قصة حبهما و يتركان خلفهما ولديهما (جهاد) و أبنتهما (مجدولين) التي سارعت هي الأخرى لمداواة جرحى المقاومة ، توقعت أن ترى والديها ولكنها فوجئت هي الأخرى بوجود حبيبها هناك ، حبيبها التي أخبرت عنه القمر ، غاب منذ فترة دون أن تسمع عنه أي خبر.. حبيبها الذي ه نذرت الحب، له كتبت العمر، ماذا بعد فلا القصائد تكفي ولا الروايات تكفي، لتختم نهاية حبهما.. حبيبها الذي انتظرته مع كل قطرة مطر، مع كل طير عبر، مع كل نسمة حركت أوراق الشجر، من انتظرته وإن طال السفر، من معه لم تكن تحسب الأيام ولا السنين، الحبيب الذي له كانت ستهب الروح ولن تهاب الخطر.. أين هو ستنتظره في موعد بعيد مع القمر.. لن تستطيع بعد الآن أن تحتسي معه القهوة، ستحتسيها مع الهموم والألم...
لقد عرفت الآن لما تركها فقد كان على موعد مع نجوم السماء، كان على موعد مع عرائس الجنان
لما لم تخبرني؟
-أرجوكِ سامحيني الأمر أكبر منا إنها أرضنا و شرفنا ، قد لا نلتقي بعد اليوم ولكن اعلمي أنه من يتخلى عن أرضه ببساطة سيتخلى عن كل ما يملك بأبسط من ذلك، (مجدولين) أتمنى أن تكون سعادة الكون كله بين يديك...وداعاً...
فارق الحياة بين ذراعيها، أخذت تأرجحه كطفل صغير :
عد إلي عد إلي لا تتركني كفاني عذاب، ارجع فإن ذهبت سيطول الغياب.. وتساقطت من عينيها دموعا لتعانق وجهه معاهدة نفسها بأنها لن تحب بعده، سيظل يسكن قلبها وإن تكاثرت الهموم والأحزان.. عادت إلى منزل جدها وحيدة تصارع رياح الحياة التي أخذت تقذفها من كل جانب، فأي قدر هذا الذي حرمها من والديها وحبيبها الذي له نذرت قلبها.. عادت لتعانق أخاها الصغير أخر من تبقى لها في هذه الدنيا معاهدةً نفسها أن تربيه لينتقم لكل الذين أحبتهم.. وهكذا كانت قصص حب أينعت في الأرض وأثمرت في السماء... ومازالت مقاعد العشاق تشكو الهجر فمتى يهدئ المقرور، ومتى تطفئ الأشواق، متى اللقاء